محمد جمال الدين القاسمي
169
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
و أخرج الطيالسيّ وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والنسائيّ « 1 » وأبو يعلى والبيهقيّ عن أبي سعيد الخدريّ قال : كنّا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يوم الخندق فشغلنا عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء حتى كفينا ذلك . وذلك قوله : وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ [ الأحزاب : 25 ] . فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بلالا فأقام لكلّ صلاة إقامة ، وذلك قبل أن ينزل عليه فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً . تنبيه : هذه الآية قد أطلقت الخوف . فيدخل فيه أيّ مخافة من عدوّ أو سبع أو جمل صائل ، وهذا قول الأكثر . وشذّ قول الوافي وبعض الظاهرية : إنّ الخوف مختص بأن يكون من آدميّ . وقد أفادت هذه الآية أن فعلها بالإيماء هو فرضهم ، فلا قضاء عليهم بعد الأمن . قال في ( التهذيب ) خلاف ما يقوله بعضهم . ولكن هذا إذا أتوا بما يسمى صلاة فإن لم يمكنهم شيء من الأفعال ، وإنما أتوا بالذكر فقط . فقال الناصر زيد وابن أبي الفوارس وأبو جعفر : هذا لا يسمى صلاة فيجب القضاء . وقال الراضي باللّه والأمير الحسين : هو بعض الصلاة ، فلا قضاء ، لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم « 2 » : « إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم » . وإذا ثبت الترخيص في هذه الصلاة - بترك كمال الفروض - رخص فيها بفعل ما تحتاج إليه ، وبلباس ما فيه نجس إذا احتيج إليه - كذا في تفسير بعض علماء الزيدية . فَإِذا أَمِنْتُمْ ، أي : زال خوفكم فَاذْكُرُوا اللَّهَ ، أي : فصلّوا صلاة الأمن . عبر عنها بالذكر لأنه معظم أركانها . وقوله كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ، أي : مثل ما علمكم من صلاة الأمن ، أو لأجل إنعامه عليكم ، فالكاف للتعليل . وهذه الآية كقوله تعالى : فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً [ النساء : 103 ] . والفائدة في ذكر المفعول فيه ، وإن كان الإنسان لا يعلم إلّا ما لم يعلم ، التصريح بذكر حالة الجهل التي انتقلوا عنها ، فإنه أوضح في الامتنان .
--> ( 1 ) أخرجه النسائيّ في : الأذان ، 21 - باب الأذان للفائت من الصلوات . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : الاعتصام ، 2 - باب الاقتداء بسنن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، حديث 2585 ونصه : عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال « دعوني ما تركتكم إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم » . وأخرجه مسلم في : الفضائل ، حديث 138 .